حرية الوطن.. حرية المواطن

حرية الوطن.. حرية المواطن
جواد شفيق

بصدور الأحكام الشديدة القسوة في حق الشباب معتقلي احتجاجات الحسيمة ، أمس، تكون صفحة قاتمة أخرى من صفحات وطننا قد كتبت ، و سيكون لها ما بعدها.

لعل أول غيث هذا المابعد هو كثير ردود الفعل البالغة القتامة من حيث تجاوزها لكل العتبات ، و ملامستها سقف الكفر بالوطن.

لقد قرأنا و سمعنا و تابعنا هنا و هناك ردات فعل عنيفة ، صادمة و مؤلمة ..متناسبة مع قسوة و عنف و ألم الأحكام التي أنزلت بشباب مغاربة من الريف.

في أقل من أربعة و عشرين ساعة ، عاش المغرب حالتين/جذبتين وطنيتين على طرفي نقيض..

لقد كانت ملحمة أمرابط و زملاؤه في المنتخب الوطني، و وقف لها إجلالا و إكبارا و تقديرا جزء كبير من أبناء الوطن تحت راية الوطن و افتخارا بالوطن و بأبناء الوطن.

ثم جاءت شدة و غلضة الأحكام في حق الزفزافي و رفاقه ، و تصدى لها جزء من أبناء الوطن غضبا و حنقا على الوطن و رفضا “لظلم الوطن ” و تضامنا مع هذا الجزء المكلوم من أبناء و تراب و أمهات الوطن.

الوطن هو هو.. والأبناء هم هم.. و المشاعر و المواقف ليست هي هي.

لا أتصور أن ناصر و رفاقه لم يتفاعلوا بكل وطنيتهم مع ما كتبته أقدام الأسود من تاريخ باسم الوطن.

كما لا أتصور مغربيا حرا واحدا لم يتفاعل غضبا و ألما لما لحق ناصر باسم الوطن.

لقد بلسم الأسود جروحا في جسد و ذاكرة الوطن ، و فتحت قسوة الأحكام في حق الشباب جروحا أخرى في ذات الجسد و الذاكرة.

أما يكفي الوطن كل هذه المداومة السكيزوفرينية على فتح و إغلاق جراحه و ندوبه؟ 

أما يكفيه كل هذا التراكم العبثي للاأمل؟

ألا يستحق الوطن أفضل ثم أفضل، حتى يستحقنا و نستحقه؟ 

تذكرنا واقعة ناصر و رفاقه( رغم الاختلاف الجوهري العميق سياقا ،مبنى و معنى و فاعلين…،) بوقائع أخرى من تاريخنا السياسي، كانت وحدها “الحقيقة القضائية و القانونية” تتجلى و تطغى في البدء، ثم تجري المياه تحت الجسور و تهدأ النفوس فاتحة الطريق سيارا نحو الحقيقة السياسية التي غالبا ما أثمرت مصالحات.. بلغت مداها مع نموذجنا في العدالة الانتقالية ( هيئة الإنصاف و المصالحة).

من المؤكد أن أرض الوطن ليست لكلنا، ولكن سماءه لنا جميعنا، وتكفينا وطنا.

ورغمه..

فالوطن هذا أكبر من أن يزعزعه فتيته..

وأكبر من أن يجور على فتيته..

و إن اغتروا أو انجروا أو حتى ثاروا..

هو يبادل الحب بالحب..

والغضب بالغضب..

ليبقى الحضن والقلب والخيمة والسفينة الأمن.

لقد وقعت الفأس قاسية على الرأس و النفس، بقرار سلب حرية شبابنا المغربي الريفي..

لقد كانت الرسالة قوية، ولا نظنها إلا قد وصلت..

ولكن،

الحرية هي ماهية الروح،

حرية الأوطان و الأشخاص..

والحاجة ملحة و حيوية و ضرورية إلى أن نحرر الوطن من هذا القيد الجديد في معصميه بتحرير شبابه.

لن تعدم بلادنا و أخيارها و مؤسساتها مخرجات..

لقد مررنا بما هو أقسى، أفظع و أشرس..

و سمعنا على سبيل الذكر ، إثر صدور الأحكام في محاكمة / المؤامرة الشهيرة سنة 1963 من قال بلا صلاح لهذا النظام إلا بزواله..

و كان أن وقعت المصالحة مع رموز نضال تلك المرحلة.

لذا..

ولكي لا نبدد وقتا و لا طاقة و لا نذبل أعمارا و زهورا ، و لا نلطخ صورة و سمعة..

فإننا نقدر بأنه بقدر ما من حق الوطن أن نحميه و نصونه، فإن من واجبه أن يصفح ويسمح.

إن إيجاد مخرج لهذه الواقعة يعيد للشباب حريتهم، ويثبت قيمة الوطن في أفئدتنا وأفئدتهم، ليس بعزيز على دولة، هي بقوة لم تكن عليها أبدا، و سيرفع شأنها كدولة تعاقب و تصفح ، تغضب و تسامح.

أمام المعاجة القضائية للقضية في الدرجة القادمة من التقاضي فرصة نأمل أن يحسن استثمارها..

ولملك البلاد برمزيته الكبيرة، وصلاحياته الدستورية ممكنات ومخرجات لا نرى أي حرج في طلب إعمالها..

لأن الأهم و المهم هو تحرير وطن بكامله من غمة ليست ذات معنى.. بتحرير شبابه..

لا وطن بلا مواطنين، ولا وطنية بدون وطن.

2018-06-29 2018-06-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

60 دقيقة amine