«الإنسان القديم»

«الإنسان القديم»
حسن طارق

تذكرون كيف كانت الحياة قبل اكتشاف الهاتف المحمول والسقوط في «الشبكة»؟ لا أيفون ولا تابلات ولا ويفي ولا فيسبوك ولا يوتوب ولا واتساب… هدوء تام حد الملل، «ولا ينقصنا إلا النظر في وجهكم العزيز». خلال بضع سنوات، سيصبح المخضرمون، الذين عاشوا في عصر ما قبل البورتابل والأنترنت، أقلية تستدعي الفضول والتكريم، مثل من شاركوا في الحرب العالمية الأولى. وسيصعب على الأجيال المقبلة أن تتخيل كيف كان «الإنسان القديم» يكتب الرسائل بقلم أزرق، ويضعها في ظرف أصفر، قبل أن يتوجه إلى مبنى البريد كي يلصق عليها طابعا بريديا ويضعها في صندوق. رسائل تختلط فيها «الأشواق» و«الأحاسيس الجياشة» بالأخبار والمواعيد… وعلى ذكر المواعيد، في ذلك العصر الحجري، عندما كان «الإنسان القديم» يريد زيارة أحد، يقتحم عليه البيت بلا موعد، في أي ساعة من النهار أو الليل، ولم يكن وقع المفاجأة يمنع صاحب البيت من فتح بابه وذراعيه للضيوف الطارئين، دون أن تظهر عليه علامات الضجر، يغديهم ويعشيهم ويصنع لهم الشاي بكثير من الكرم والسعادة.

الأنترنت، ومعه الهاتف المحمول، قلب حياتنا رأسا على عقب، حطم المسافات، وأعاد تعريف العزلة والغربة والثرثرة. بضع سنوات كانت كافية لتغيير وجه العالم وحياة الناس على الكوكب. ولو قدر لشخص توفي قبل عقدين من الزمان أن يعود إلى الحياة لوقع له ما وقع لبطلة «كود باي لينين»، التي أصيبت بوعكة صحية أدخلتها في غيبوبة، وعندما استفاقت وجدتهم قد هدموا جدار برلين…

وإذا كانت التكنولوجيا تتغير، فإن الاحتيال يظل كما هو. بخلاف الهاتف الثابت يضعك «البورتابل»، أحيانا، في مواقف حرجة لا تتمناها لعدوك، لأنه قد يتحول إلى «جهاز لكشف الكذب»، كما وقع لذلك المسافر المحترم الذي جعل القطار يتمايل من شدة الضحك، عندما سمعه الركاب يصرخ بأعلى صوته: «لا ما نقدرش راني فأكادير»، فيما القطار لم يغادر بعد محطة «رابا-فيل» في اتجاه الدار البيضاء. هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

تحايلنا على التكنولوجيا من أبرز مظاهر تخلفنا، ليس مع البورتابلات فحسب. هناك من يتعطل له التلفزيون فيضربه بأقصى ما في كفه من قوة كي «يشتغل»، وهناك من يحول ماكينة الخياطة إلى مكتب، ومن يضع ماكينة التصبين وسط الصالون كأنها أريكة، وهناك من يصب «زيت العود» في محرك السيارة كي يتوقف الصوت الغريب الذي تصدره، وهناك من تشتري درهم «ديال الديسك» عند العطار باش تبخر لراجلها، وهناك طبيب في إحدى البلدات النائية صبغ ثلاجته بالأسود كي يوهم الزبائن بأنه يفحصهم بجهاز الراديو، ويرفع مقابل ذلك التسعيرة… «بنادم كيعنق الثلاجة وكيحس براسو دار لاباس!».

2017-09-01 2017-09-01
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

60 دقيقة