الإعفاء الملكي للوزير بوسعيد.. مسلسل الطرد المذل لـ “خونة الوطن” متواصل

60 دقيقة _ مراد بورجى

صحيح أن بلاغ الديوان الأخير تحدث عن ما أسماه “الإعفاء” الملكي لوزير الإقتصاد والمالية محمد بوسعيد في إطار تفعيل المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة. والواقع أن الأمر لايتعلق هنا بإعفاء، بل إنه طرد مذل لواحد من خدام الدولة الذي صال وجال على رأس العديد من المؤسسات والمناصب الحساسة، بل إنه كان الآمر الناهي بالصرف والعارف بخبايا وأوجه صرف الصناديق السوداء.

نعم إن الأمر يتعلق هنا بطرد مذل، لأن سعادة خادم الدولة الذي طالما خدم نفسه كان يعتقد أنه “إبن الدار”، بل إنه أوهم محيطه بأنه لا يتصرف إلاّ بالتعليمات الآتية من الفوق، ولهذا عندما نزل قرار الطرد من الفوق فعلا فإن الجميع أصيب بالذهول بعد أن اكتشفوا أن الفوق أصبح لا يحابي أحدا “مهما كانت درجته وانتماؤه”.

والحقيقة أن هذا القرار الملكي القاضي بطرد محمد بوسعيد من حكومة سعد الدين العثماني ظل حلماً راود العديد من ساكنة الدار البيضاء الذين يعرفون بعض الأسرار التي تسببت في ثلاث سنوات من البلوكاج الذي عرفته الدار البيضاء عندما كان بوسعيد واليا عليها.

وكلنا يتذكر أن العاصمة الإقتصادية للمغرب عاشت حقبة سوداء في عهد الثلاثي المتكون من بوسعيد نفسه ومحمد ساجد الذي كان وقتها عمدة للمدينة، وعلال السكروحي الذي كان مدير لوكالتها الحضرية، وهي حقبة سوداء اضطر الملك محمد السادس أن يخصص لها خطاباً ناريا افتتح به البرلمان، وتحدث فيه بنبرة غاضبة من حجم الفساد والفقر المدقع والهشاشة التي تعانيها فئات واسعة من الساكنة، فيما ازدادت فئة محضوضة غنا وثراءا فاحشاً.

واعتقد الجميع من هذا الخطاب الملكي الثوري أن النيابة العامة ستشرع في استدعاء مسؤولي المدينة ومنتخبيها وفِي طليعتهم العمدة ساجد ومن معه، والوالي بوسعيد ومن معه والسكروحي ومن معه قصد الإستماع إليهم بخصوص الغنى الفاحش والإثراء الغير مبرر الذي ظهر في عهدهم على العديد من الأسماء التي كانت إلى بالأمس القريب لا تملك وجبة عشاء.

وهكذا أصبح عندنا في الدار البيضاء أغنياء جدد راكموا ثروات عابرة للحدود دون أن يكون لهم ماض مهني ولا مستوى تعليمي ولا جذور عائلية معروفة بدمتها المالية النزيهة.

وليس سراً أن ضمن هؤلاء الأغنياء الجدد أسماء معروفة بسوابقها القضائية وماضيها المخجل في النصب والإحتيال والتزوير والسطو على العقارات وممتلكات الغير.

والخطير في الأمر أن هؤلاء النصابين وأصحاب السوابق القضائية لازالوا يزرعون الرعب والخوف في الناس من خلال الزعم أن لهم ارتباطات مع أصحاب الحل والعقد، و”مَّالين الشَّي”، رغم أن الحقيقة هي غير ذلك لأن بعض أصحاب هذه الإدعاءات مهددون بالسجن في أي لحضة نظرا لوجود أحكام صادرة ضدهم في قضايا نصب واحتيال وتزوير وسطو، وأفعال أخرى يجرمها القانون.

ولعل فثرة الثلاثي (بوسعيد، ساجد، السكروحي) كانت بحق فترة ذهبية ازدهر فيها الريع، وتناسلت فيها الرخص الإستتنائية في كل حي من خلال السماح لبعض المحضوضين ببناء تجزئات وبنايات من خمس طوابق أو أكثر، في الوقت التي يتم منع المواطنين البسطاء من بناء مجرد مطبخ صغير فوق السطوح.

ولأن فترت الريع ازدهرت في هذه الحقبة السوداء، فقد استفاد العديد من المنتخبين والمسؤولين وذويهم من الصفقات والشراءات في القطاعات العمومية وغيرها من العناصر المادية المدرة للملايير رغم وجودهم في حالت تضارب للمصالح، وما قضية استفادت الرئيس السابق لجهة الدار البيضاء شفيق بنكيران من عقار بمساحة تجاوزت خمسة هكتارات. ومعه مافيا العقار التي سطت على عشرات الهكتارات من أراضي الأحباس، وأراضي الدولة في قلب المدينة، والأراضي المسترجعة التي أوهمونا أنهم اشتروها أو زوروا شراءها من ذوي الحقوق ونسو أو تناسوا أن هؤلاء إن وجدوا فلا حق لهم في بيعها لتحول ملكيتها للدولة بعد ظهير 1973، إلا دليل حي على هذه “السيبة” التي اجتاحت أكبر مدينة بالمغرب.

وإذا كان الطرد الملكي لبوسعيد قد أشفى جزءا من غليل البيضاويين، فإن معظم ساكنة هذه المدينة العملاقة لازالوا ينتظرون تفعيل مقتضيات المحاسبة القضائية ضد أولائك المسؤولين والمنتخبين الذين كانت لهم يد في توسيع رقعة الفساد بالمدينة، ولا ينبغي أن تقف الأمور عند هذا الحد، ذلك أن المحاسبة القضائية لا ينبغي أن تبقى سجينة تلك التقارير الناعمة لإدريس جطو، الذي استفاد هو بدوره في عهد هذا التلاتلي من تحويل الطريق السيار لتمر بمحادثات أرضه، بل ينبغي أن تصل إلى مستوى آخر يتم فيه تجريد كل هؤلاء الأغنياء الجدد أصحاب الإثراء غير المشروع من ممتلكاتهم وترواتهم التي راكموها في زمن السيبة.

وهؤلاء واهمون إن اعتقدوا أنهم سيفلتون من العقاب، أو أن يد العدالة لن تصل إليهم في القريب العاجل.

بقي فقط أن نشير إلى أن واقعة عزل بوسعيد هي امتداد لقرارات ملكية سابقة امتدت فيها يد العزل إلى خمسة وزراء من حكومة العثماني بناءا على اختلالات ارتكبوها في عهد حكومة سلفه عبد الإله بنكيران.

ولابأس أن أستعير بعض ما قاله الناطق الرسمي السابق بإسم القصر الملكي حسن أوريد “بأن هناك بنية موازية للدولة المغربية شبيهة بالمافيا نجحت في اختراق الدولة نفسها”.

وقال أوريد في كتابه الجديد: “لقد عرفت بلادنا في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي ممارسات أقرب ما تكون إلى أساليب المافيا، برزت من خلال أشخاص لهم سوابق، وظفوا عناصر قريبة لهم، وسعوا إلى التغلغل في بنية الدولة من خلال شراء الذمم، ونفذوا إلى الجسم السياسي، واستطاعوا الاقتراب من مركز القرار”.

وأن هذه المجموعة المشكلة للمافيا، وصل اختراقها إلى درجة أن “أصبحت هناك بنية موازية تعلو على هيكل الدولة، تأمر ويؤتمر بأمرها، وتعتبر هذه الظاهرة من أسوأ ما عرفه المغرب الحديث من تجارب”.

ولا بد من التذكير هنا بمضامين خطاب ملكي سابق اعتبر فيه الملك محمد السادس أن كل من تخلف عن القيام بواجبه، فهو خائن للوطن. وما أكثر هذا النوع من الخونة.

2018-08-09 2018-08-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

60 دقيقة

Open